تسارعت الأحداث في سوريا خلال الشهرين الماضيين على مختلف الأصعدة، سواء العسكرية (سيطرة قوات الأسد على الجنوب) أو السياسية (تشكيل اللجنة الدستورية)، إضافة إلى التطور على صعيد الملف الاقتصادي والذي تجسد بإعلان الشركات الروسية بدء عملها في سوريا في خطوة تحمل وراءها رسائل متعددة من قبل الروس.
أعلنت وزارة الطاقة الروسية، في 6 من تموز، أن شركات “إس أي غي-إنجينيرينغ” و”زاروبيج نفط” و”زاروبيج جيولوجيا” و”تيخبروم إكسبورت” وغيرها قد بدأت بأعمال التنقيب عن النفط والغاز في سوريا، إضافة إلى العمل في المحطات الحرارية لتوليد الكهرباء.
وأكدت وزارة الطاقة في بيان أن روسيا “تدرس إمكانيات إعادة تأهيل حقول النفط والغاز، وصيانة مصافي النفط، وعناصر البنية التحتية”، كما يجري التنقيب الجيولوجي لاستكشاف موارد الطاقة في البر والبحر بسوريا.

غموض يخفي وراءه رسائل

الإعلان عن دخول الشركات رافقه غموض بشأن تفاصيل عمل هذه الشركات، وبالرغم من توقيع موسكو مع النظام السوري اتفاق “عقد عمريت” في 2013، الذي يعتبر الأول من نوعه من أجل التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية، إلا أن الخبير في مجال النفط والثروة المعدنية عبد القادر العلاف أوضح، في حديث إلى ، أن هذه الاتفاقيات ما زالت غامضة وغير واضحة من حيث نسبة الشركات الروسية، لكن في الوقت نفسه اعتبر أن الاتفاقيات قد تكون طريقة لاسترجاع الأموال التي صرفتها روسيا بتدخلها العسكري في سوريا، وهيمنة كاملة وسيطرة على مقدرات سوريا.

إعلان الشركات الروسية مباشرة عملها في سوريا اعتبره المحلل الاقتصادي يونس الكريم “إعلانًا تجاريًا” من قبل موسكو، تحاول من خلاله إرسال عدة رسائل أولها أنها صاحبة القرار الوحيد في ملف إعادة الإعمار في سوريا وليس النظام أو إيران، في محاولة لجذب الاستثمارات الخليجية من ناحية، ومحاولة دخول الشركات الأوروبية بثقلها إلى السوق السوري، مشيرًا في حديث إلى عنب بلدي إلى أن روسيا تحاول من خلال الإعلان استيعاب ومعرفة الطلبات المبدئية للمستثمرين وهدفهم والمجالات التي يريدون الاستثمار فيها من أجل العمل على تحقيقها.
وربط الكريم بين الإعلان الروسي والتحرك الدبلوماسي الأخير لوزير الخارجية، سيرغي لافروف، من خلال زيارته لعدة دول معنية بالشأن السوري (الأردن وألمانيا)، قائلًا إن روسيا بدأت بحل المشاكل العالقة لإعادة إعمار سوريا وأهمها مشكلة اللاجئين، فبدأت موسكو بحلحلة أول خيوط هذا الملف عبر طلب إعادتهم، ويدل التمثيل الدبلوماسي الكبير على حجم الضغط الروسي والاهتمام في تذليل العقوبات أمام ملف إعادة الإعمار ودخول الشركات الاستثمارية إلى سوريا.
في حين لفت العلاف إلى التحركات الروسية الواضحة، خلال الشهر الماضي، والتي تمثلت بتنقل لافروف بين عواصم أوروبية وعواصم لها علاقة بإعادة الإعمار بشكل خاص، قائلًا إن روسيا تعتقد أنها كسبت الحرب السورية، والآن يجب تحصيل المكاسب السياسية وعلى رأسها ملف إعادة الإعمار الذي من خلاله تحقق مصالحها في سوريا بشكل معلن وواضح.
وتستفيد موسكو في تحركها من التراجع الأمريكي في الملف السوري، بحسب العلاف، الذي اعتبر أن الروس خرجوا من لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والأمريكي دونالد ترامب، في 16 من تموز، في فنلندا، بتغطية أمريكية لمحاولة لإرسال رسائل إلى الدول الأوروبية بأن الملف السوري بأبعاده السياسية والاقتصادية بيد روسيا.

خطوات روسية لجذب الاستثمارات

الإعلان الروسي سترافقه خطوات مقبلة، بحسب ما حددها الكريم، وهي محاولة جذب الاستثمارات الأوروبية والخليجية، من باب المنظمات الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وقد يساعدهم رجالات النظام الموجودين في مراكز حساسة في هذه المؤسسات، وفي مقدمتهم عبد الله الدردري، الذي يشغل حاليًا منصب مستشار لشؤون إعادة الإعمار والتأهيل في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في البنك الدولي.
الخطوة الثانية ستكون الضغط على المنظمات الإنسانية لدفع اللاجئين للعودة إلى سوريا من خلال تقليص خدماتها، ما يزيد من صعوبة حياة اللاجئين ويدفعهم للعودة، وهو ما حصل مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) التي أوقفت خدمات المعلمين المسجلين لديها، العاملين في مخيم الزعتري للاجئين.
يتبعها تفعيل اللوبيات التابعة للنظام السوري في الدول الخليجية، من أجل تلميع صورته وتقديمه على أنه قام بطرد الإرهابيين من سوريا، وتصوير الوجود الإيراني العسكري على أنه مدني تم تحييده في أماكن محددة.
وأكد الكريم أن روسيا ستتنازل عن بعض العقود السيادية وإعادتها للدولة السورية (عقود الفوسفات والملح وبعض آبار النفط) لسببين: الأول عدم قدرة روسيا على تحمل طاقة هذه العقود، في حين ستبقى عقود الزراعة والمطاحن ونقل أنابيب الطاقة بيد روسيا، أما السبب الثاني فيكمن في أن الدول الخليجية والمستثمرين يعتقدون أنه لا جدوى اقتصادية من الاستثمار بعقود إعادة الإعمار بالوضع الحالي المتردي للسوريين بسبب الحرب التي أنهكتهم، وبالتالي فإن أي مشاريع لن تجلب الإيرادات التي تتمناها الشركات.
كما ستقوم روسيا بعقد مؤتمر من أجل إعادة إعمار المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة، بهدف حل هذا الإشكال مع متطلبات المستثمرين الذين يجدون أن بقاء السوريين دون تأمين مستلزمات توطينهم بمناطق التهجير يهدد استثماراتهم بشكل مستمر، بحسب الكريم، الذي أشار إلى أنه كان من المفترض عقد المؤتمر في نيسان الماضي، وكان خاصًا بضم 25 باحثًا من أوروبا والدول المجاورة لسوريا، لكنه أُجّل مرتين الأولى بسبب توسيع القائمة لتضم مجموعة من الباحثين من النظام السوري، والثانية بسبب كأس العالم، في حين يتم الحديث في الوقت الحالي عن عقد المؤتمر، وسط أو نهاية آب المقبل، بحضور دول مثل فرنسا وألمانيا والسعودية برعاية وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف.

النظام والمعارضة صامتان

الإعلان الروسي رافقه صمت من قبل النظام السوري الذي لم يعلق عبر وسائل إعلامه، ما يوصل رسالة بأن القرار النهائي في إعادة الإعمار بيد الروس، بينما يحاول النظام خلق استثمارات أجنبية شريكة له من تحت الطاولة، بهدف مادي أولًا، وثانيًا للاعتراف به وحمايته من الروس المسيطرين.
كما تلاقي التحركات الروسية صمتًا من قبل المعارضة السورية أيضًا التي لم تهتم من البداية بالشأن الاقتصادي وملف إعادة الإعمار، وهذا واضح من خلال قلة الأبحاث ودعم الباحثين الاقتصاديين.
لكن السؤال المطروح في الأوساط الاقتصادية والسياسية هو إمكانية نجاح روسيا في تنفيذ خطواتها، الأمر الذي اعتبره الكريم صعبًا في المدى المنظور بسبب وضع روسيا الاقتصادي وعلاقتها مع إيران في سوريا، إضافة إلى عدم وجود تصور واضح لإعادة الإعمار، إلى جانب الوضع السياسي المربك، وعدم جاهزية الدول الخليجية والأوروبية للمشاركة والاستثمار إلا في حال التوصل إلى حل سياسي توافقي وإخراج إيران من سوريا.


0 التعليقات Blogger 0 Facebook

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

 
Syrian Revolution in Switzerland © 2018. جميع الحقوق محفوظة. اتصل بنا
Top