![]() |
المواد المنشورة على الموقع تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر الموقع ...
تاريخ النشر : 26.10.2015
تحتفظ روسيا بوجود عسكري قديم في سورية، يشمل العشرات من جنود البحريّة في قاعدة طرطوس، التي يستخدمها الروس بين فترة وأخرى منصةً للتزوّد بالمؤن والوقود، كما تحتفظ بمستشارين ومدربين، تتراوح أعدادهم في الغالب بين خمسمئة إلى ألف مدربٍ ومستشارٍ عسكري، ويوجدون في مواقع بحثية أو قطع عسكرية أو منشآت تصنيع عسكري.
وعلى الرغم من أنّ روسيا تصرّ على أنّ طبيعة وجودها العسكري في سورية لم تتغير، وأنّ معظمه يتشكل من "خبراء يقدمون المساعدة في ما يتعلق بإمدادات الأسلحة الروسية إلى سورية التي تهدف إلى محاربة الإرهاب"، فإنّ حركة طائرات الشحن الروسية تشير إلى أنّ التدخل العسكري الروسي في سورية يتعاظم بشكل يومي، ويأخذ أشكالاً مختلفة: قوات خاصة، وتدخل سريع، وخبراء، ومدربون، ومستشارون، بالإضافة إلى مدِّ النظام السوري بمعدات وأسلحة ذات قدرات تدميرية عالية استخدمت في قصف مدينتي الرقة وحلب في الأيام القليلة الماضية. كما نشرت مواقع معارضة سوريّة مؤخراً مقاطع فيديو تُبيِّن مشاركة قوات روسية في قصف مواقع عسكرية تابعة للمعارضة المسلحة في جبال اللاذقية (ما أصبح يسمى التركمان والأكراد)، ووجود قوات روسية في بعض نقاط المواجهة العسكرية في جبال الساحل (صلنفة) وسهل الغاب.
دوافع التدخل الروسي في سورية
سعت روسيا لفرض تفسيرها الخاص لبيان جنيف في 30 يونيو 2012 (الذي نصّ على تشكيل هيئة حكم انتقالية بصلاحيات تنفيذية كاملة كخطوة لازمة وضرورية على طريق حل الأزمة سياسيا) من خلال الإصرار على اعتبار الأسد جزءاً من المرحلة الانتقالية، ثم ربط مصيره وبقائه "بإرادة الشعب". في هذه الأثناء، سعت إلى نزع الاعتراف الدولي بالائتلاف الوطني المعارض، ودعت إلى مؤتمرات حوارية (موسكو 1، و2) بغية تصنيع معارضات أقرب إلى مواقفها. بيد أنّ المكاسب التي حققتها المعارضة المسلحة في النصف الأول من عام 2015، أفشلت هذه المساعي، ودفعت باتجاه تحركٍ دبلوماسي نحو السعودية خصوصاً.
ولما فشلت المساعي الروسية في تحقيق أي نتيجةٍ على صعيد إقناع السعودية بقبول الصيغة الروسية للحلّ في سورية (من خلال اللقاء المرتب بين المسؤول الأمني السوري الأول، اللواء علي مملوك، ووزير الدفاع السعودي الأمير محمد بن سلمان في جدة في تموز/ يوليو الماضي)، بدأت تدّخلها المباشر إلى جانب النظام، منعاً لانهياره بشكل مفاجئ بعد أن بلغ مرحلة متقدمة من الضعف والإنهاك على يد فصائل ذات توجهات إسلامية معادية للنظام ولتنظيم الدولة في آنٍ معاً، بما يؤدي إلى فقدان موسكو جميع استثماراتها السياسية في القضية السورية.
وقد تزامنت الخطوة الروسية مع موجة لجوء كبرى إلى أوروبا، من المهجّرين السوريين، أفرزت خطاباً أوروبياً جديداً (ألمانيا، والنمسا، وإسبانيا، وبريطانيا، والمجر) يدعو إلى الانفتاح على روسيا والتعاون معها لإيجاد حلٍ عاجلٍ يوقف تدفق اللاجئين حتى لو تطلب ذلك الانفتاح على الأسد أو التخلي عن مطلب رحيله في المدى المنظور. إقليمياً، استغلت روسيا انشغال الدول الداعمة للمعارضة السورية بمسائل أخرى أكثر إلحاحاً لتمرير تدخلها من دون ضجة كبيرة؛ إذ تنشغل حكومة حزب العدالة والتنمية في تركيا في حربها ضد حزب العمال الكردستاني، وبانتخابات مبكرة مفصليّة، في حين يمثل الملف اليمني أولويةً قصوى بالنسبة إلى السعودية ودول الخليج الأخرى.
وللتغطية على تدخل روسيا إلى جانب النظام، عرضت موسكو على واشنطن التنسيق في "الحرب على الإرهاب" في سورية، وهو عرض لم تملك إدارة أوباما التي يتملّكها هاجس مواجهة تنظيم الدولة أن ترفضه. وزيادة في طمأنة واشنطن، قام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بحسب وسائل إعلام إسرائيلية، بتنسيق خطواته في سورية مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، في مؤشرٍ جديدٍ آخرَ على عمق العلاقة والتحالف التي تربط موسكو وتل أبيب، ومن ثم الضغط في اتجاه إعادة تأهيل النظام واعتماده شريكاً ميدانياً في الحرب على "الإرهاب" في سورية.
تداعيات التدخل
1. لن يصنع التدخل الروسي فارقاً كبيراً في موازين القوى القائمة حالياً كون هدفه يبقى محصوراً في منع سقوط النظام وليس استعادة ما خسره النظام من أراضٍ ومدنٍ خلال الفترة الماضية؛ الأمر الذي عجزت عن فعله إيران وجميع المليشيات الطائفية.
2. التدخل الروسي سيظلّ مقتصراً على الأرجح على دمشق ومنطقة الساحل التي توليها روسيا أهميةً خاصةً بوصفها منفذاً بحرياً على البحر المتوسط، وتمتلك فيها امتيازات حصرية (25 عاماً) تسمح لها بالتنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السوريّة، وذلك بحسب الاتفاقية الموقعة بين النظام والحكومة الروسية في أواخر عام 2013.
3. وبناءً عليه، قد يساهم التدخل الروسي في تعزيز مواقع النظام ومنع سقوطه، وفي رفع الروح المعنوية المنهارة لقواته وحاضنته الشعبية، وفي عرقلة مساعي المعارضة للسيطرة على الساحل وجباله، لكنه لن ينجح في إعادة النظام إلى المناطق التي خرجت عن سيطرته.
4. التدخل الروسي سوف يؤدي إلى إطالة أمد الصراع وزيادة معاناة السوريين من الفئات كافة.
وأخيراً، تحتاج المعارضة السورية في ظل المستجدات السياسية والعسكرية إلى توحيد الجهد السياسيّ والعسكريّ في تيارٍ واحدٍ ذي أذرعٍ عسكرية وسياسية وإعلامية، والتعامل مع الوجودين العسكريّين الروسي والإيراني بوصفهما احتلالاً أجنبياً مباشراً وصريحاً، والتوجه إلى مقاومة الوجود العسكري الروسي بجميع الوسائل المتاحة، خاصة أنّ الرأي العام الروسي يبدو شديد الحساسية تجاه خسائر ومغامرات في مناطق وأزمات لا تشكل بالنسبة إليه أولوية بل تعيد إليه ذكريات أفغانستان المريرة.
تاريخ النشر من المصدر : 22.09.2015
المصدر : المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات
الرابط:
|
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

0 التعليقات Blogger 0 Facebook
إرسال تعليق
ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.